محمد بن محمد ابو شهبة
631
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
طلبه سيدنا عمر أطلقه وأعاد إليه قلنسوته ، ثم عمّمه بيده وقال : ( نسمع ونطيع لولاتنا ، ونفخم ونخدم موالينا ) « 1 » أي ساداتنا . بل من كان يظن أن المرأة تخرج من اليمن إلى الكعبة فلا يعرض لها أحد بسوء ؟ وأن الخمر التي كانت ممتزجة بلحوم العرب ودمائهم « 2 » يتركونها أبدا بعد التحريم ؟ وأن الربا الذي كان شائعا بين العرب يقضى عليه هذا القضاء ؟ ! ! إنّ هذا سر من أسرار إعجاز الرسالة المحمدية . لقد كان للنبي صلى اللّه عليه وسلم في تربية الأمة وسائل من أهمها القدوة ، فقد كان أسوة حسنة في نفسه ، وفي أهله وفي بيته ، وفي كل تصرفاته ، فمن ثمّ أثمرات تربيته أيما إثمار . وكان رسول اللّه يربّيهم تارة بالقول ، وتارة بالعمل ، وتارة بهما معا ، فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « صلوا كما رأيتموني أصلي » « 3 » ، وقال : « خذوا عني مناسككم . . . » « 4 » ، وقال : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » وشبّك بين أصابعه تبيينا للقول بالفعل . ولم تكن هذه التربية قصرا على الرجال ، فقد رغب إليه النساء أن يجعل لهن يوما خاصا يعظهن ويعلمهن فيه ، ففعل ، وقد تخرج في مدرسة النبوة نساء بلغن الغاية في العلم ، والعمل ، والحكمة . وكذلك لم تكن قصرا على الكبار ، بل استفاد منها ونشأ عليها الصبيان والفتيان والفتيات ، وكان في تربيته يتدرج معهم ، ويتخولهم بالموعظة والتعليم أياما دون أيام ، كراهية السامة منهم والمشقة عليهم ، روى ذلك البخاري في الصحيح « 5 » .
--> ( 1 ) أشهر مشاهير الإسلام ، ج 2 ص 451 . ( 2 ) لقد بلغ من حبهم الخمر أن قال قائلهم : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفني بالفلاة فإنني * أخاف إذا مامت ألاأذوقها ( 3 ) رواه البخاري . ( 4 ) رواه مسلم . ( 5 ) صحيح البخاري - كتاب العلم .